أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

29

شرح مقامات الحريري

ليلة وعليّ أطمار أخلاق ، فقال : يا نضر ، ما هذا التقشّف ! تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان ؟ فقلت : أنا شيخ ضعيف ، وحرّ مرو شديد ، فأتبرد بهذه الخلقان ، قال : لا ، ولكنك قشف ، فيحمل منك هذا على التقشف . ثم أجرينا الحديث ، فقال : حدّثنا هشيم ، عن مجاهد ، عن الشعبيّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا تزوج الرجل المرأة لدينها ولجمالها وكمالها ، كان فيها سداد من عوز » فأورده بفتح السين ، قلت : يا أمير المؤمنين ، حدّثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابيّ ، عن الحسن عن عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا تزوج الرّجل المرأة لدينها ولجمالها وكمالها كان فيها سداد من عوز » ، وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا ، وقال : كيف قلت يا نضر « سداد » ؟ قلت : سداد لأنّ « السّداد » هنا لحن ، قال : أو تلحّنني ! قلت : إنما لحن هشيم - وكان لحّانة - فتبع أمير المؤمنين لفظه ، فقال : فما الفرق بين السّداد والسّداد ؟ قلت : السّداد القصد في الدين والسبيل والسّداد بالكسر البلغة في الشيء ، وكلّ ما سددت به شيئا فهو سداد ، قال : أو نعرف العرب ذلك ؟ قلت : نعم هذا العرجي من ولد عثمان ، يقول : [ الوافر ] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر ثم أطرق مليّا ، وقال : قبح اللّه من لا أدب له ! ثم تجارينا الحديث ، فقال : كيف روايتك للشعر ؟ قلت : قد رويت الكثير منه ، قال : فأنشدني أحسن ما قالته العرب في الحلم فأنشدته : [ الطويل ] إذا كان دوني من بليت بجهله * أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل وإن كان مثلي في محلّ من العلا * هويت إذا حلما وصفحا عن المثل وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجا * رأيت له حقّ التّقدّم والفضل فقال : ما أحسن ما قال ! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في الحزم فأنشدته : [ الطويل ] على كلّ حال فاجعل الحزم عدّة * لما أنت باغية وعونا على الدّهر فإن نلت أمرا نلته عن عزيمة * وإن قصّرت عنه الحقوق فمن عذر قال : فما أحسن ما قال ! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في إصلاح العدو حتى يكون صديقا ، فأنشدته : [ الطويل ] وذي غيسلة ساءلته فقهرته * فأوقرته منّي بعبء التحمّل ومن لا يدافع سيئات عدوّه * بإحسانه لم يأخذ الطّول من عل ولم أر في الأشياء أسرع مهلكا * لضغن قديم من وداد معجّل